عبد الرحمن بدوي

19

الأخلاق عند كنت

لكنها لا تعلمني أبدا أن هذا يجب بالضرورة أن يوجد هكذا ، وليس على نحو آخر . وهكذا فإن التجربة لا يمكن أن تعرفني أبدا بطبيعة الأشياء في ذاتها » ( « مقدمة إلى كل ميتافيزيقا » . . . بند 14 ) . ومعنى هذا أن التجربة لا تدرك طبيعة الأشياء في ذاتها . لكن ثمّ فيزياء محضة قضاياها يقينية ضرورية ، وتعمل بقوانين تخضع لها الطبيعة ؛ وفيها تنطبق الرياضيات على الظواهر ، وتنطوي على مبادئ منطقية محضة تؤلف الجانب الفلسفي من المعرفة المحضة بالطبيعة . وفيها مع ذلك أمور ليست محضة ولا مستقلة عن مصادر التجربة : مثل فكرة الحركة ، وعدم قابلية النفوذ ، والتصور الذاتي ، الخ ، مما يمنع من عدها علما محضا بالطبيعة . وهي لا تتناول إلا موضوعات الحواس الخارجية ، وبالتالي لا تقدم مثالا على علم عام بالطبيعة ، بالمعنى المحدود الدقيق ، لأن هذا يجب أن يردّ الطبيعة عموما إلى قوانين كلية ، غير أن في هذه الطبيعة مبادئ ذات كلية من النوع الذي مقتضيه ، من ذلك هذه القضية وهي أن المادة تبقى ، وأن كل ما يحدث فهو تعيّن مقدما بعلة وفقا لقوانين ثابتة . وهذه قوانين كلية للطبيعة توجد قبليا . فثمّ إذن علم محض بالطبيعة . والسؤال هو : أنّى لهذا العلم أن يكون ممكنا ؟ ثم إن للطبيعة معنى آخر غير كونها الخضوع لقوانين ، وهذا المعنى هو أن الطبيعة ، بالمعنى المادي ، هي جماع كل موضوعات التجربة . وهنا علينا أن نتساءل : كيف يمكن معرفة الانطباق الضروري للقوانين على التجربة ، معرفة ذلك بطريقة قبلية ؟ وهذا السؤال يرتد إلى السؤال الآتي : كيف تكون الشروط القبلية لإمكان التجربة هي في نفس الوقت المصادر التي يجب أن نستمدّ منها كل القوانين العامة للطبيعة ؟ وهنا يلاحظ كنت أن ليس كل الأحكام التجريبية هي أحكام تجربة ،